إن سعادتنا تكمل في قيامنا بواجبنا مع خالقنا، ثم مع خلقه، مع الله ثم مع الإنسان. إن الكلام سهل نطقه وتحبيره وزخرفته، لكن الأصعب من ذلك صياغته في مُثل عليا من الصفات الحميدة والأعمدة والأعمال الجلية، أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.
إن الآمر بالمعروف التارك له، والناهي عن المنكر الفاعل له، يوضع كما في الحديث الصحيح يوم القيامة في النار، فيدور بأمعائه كما يدور الحمار برحاه، فيسأله أهل النار عن سر هلاكه، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه.
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
وقال الواعظ الشهير أبو معاذ الرازي فبكى وأبكى الناس، ثم قال:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو عليل
كان بعض السلف إذا أراد أن يأمر الناس بالصدقة، تصدق هو أولاً، ثم أمرهم فاستجابوا طواعية.
وقرأت أن واعظاً في عهد القرون المفضلة، أراد أن يأمر الناس بالعتق، وقد طلب منه كثير من الرقيق أن يسأل الناس ذلك، فجمع نقوداً في وقت طويل ثم أعتق رقبة، ثم أمر بالعتق، فاقتدى الناس واعتقوا رقاباً كثيرة.
مفتاح السعادة
إذا عرفت الله وسبحته وعبدته وتألهته وأنت في كوخ، وجدت الخير والسعادة والراحة والهدوء.
ولكن عند الانحراف، فلو سكنت أرقى القصور، وأوسع الدور، وعندك كل ما تشتهي فاعلم أنها نهايتك المرة، وتعاستك المحققة، لأنك ما ملكت إلى الآن مفتاح السعادة. وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة.
براهين تدعوك للتفاؤل
في كتاب (حسن الظن بالله) لابن أبي الدنيا واحد وخمسون ومائة نص ما بين آية وحديث كلها تدعوك إلى التفاؤل وترك اليأس والقنوط والمثابرة على حسن الظن وحسن العمل حتى إنك لتجد نصوص الوعد أعظم من نصوص الوعيد وأدلة الرحمة أكثر من أدلة التهديد وقد جعل الله لكل شئ قدراً.
المرء بصفاته الغالبة
من سعادتك أن تغلب صفات الخير فيك صفات الذم فيساق إليك الثناء حتى على شيء ليس فيك ولم يقبل الناس فيك ذماً ولو كان صحيحاً لأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، إن الجبل لا يزيد فيه حجر ولا ينقصه حجر.
طالعت هجوماً مقذعاًَ في قيس بن عاصم حليم العرب وفي قتيبة بن مسلم القائد الشهري، ووجدت أن هذا الشتم والهجو لم يُحفظ ولم ينقل ولم يصدقه أحد، لأنه سقط في بحر المحاسن فغرق، ووجدت على الضد من ذلك مدحاً وثناء في الحجاج وفي أبي مسلم الخرساني وفي الحاكم بأمر الله العبيدي، ولكنه لم يُحفظ ولم ينقل ولم يصدقه أحد لأنه ضاع في ركام زيفهم وظلمهم وتهورهم، فسبحان العادل بين خلقه.
أبشر بالفرج القريب
يقول بعض مؤلفي عصرنا: إن الشدائد مهما تعاظمت وامتدت لا تدوم على أصحابها ولا تخلد على مصابها بل إنها أقوى ما تكون اشتداداً وامتداداً واسوداداً، أقرب ما تكون انقشاعاً وانفراجاً وانبلاجاً، عن يسر وفرج وهناء وحياة رخية مشرقة وضاءة فيأتي العون من الله والإحسان عند ذروة الشدة والامتحان، وهكذا نهاية كل ليل غاسق، فجر صادق.
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي
ويحمد غب السير من هو سائر
أشرح الناس صدراً
الصفة البارزة في مُعلم الخير {: إنشراح الصدر والرضا والتفاؤل فهو مبشر ينهي عن المشقة والتنفير ولا يعرف اليأس والإحباط فالبسمة على محياه والرضا في خلده واليسر في شريعته والوسطية في سنته والسعادة في ملته. إن جل مهمته أن يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.