المحكمة الصورية:
بينما كان عمر المختار في سرية من المجاهدين تعد خمسين مجاهداً، أثناء عملية استكشافية لموقع العدو لرصد تحركاته وإذا به يفاجأ وهو في أحد الوديان بطلائع جيش العدو المكونة من أربعة فرق تحت قيادة أمهر القادة العسكريين الإيطاليين أمثال "ابياتي" والذين تعرفوا على مكان وجود عمر المختار عن طريق الجواسيس والمتعاونين معهم ووجد عمر المختار نفسه نطوقا من جميع الجهات فأمر أصحابه بالهجوم لفتح ثغرة في صفوف العدو ولكن دون جدوى. فالكثرة تغلب الشجاعة فكلما أبادوا فرقة اعترضتهم الأخرى حتى نفدت الذخيرة من المجاهدين واستشهد أغلبهم وقتل جواد عمر المختار وأصيب هو بعدة جروح وكسور في عظام اليد، فالتفت حوله جنود العدو واصبح منذ تلك اللحظة ذلك الرأس المفكر والقلب النابض للثورة العربية في ليبيا(32)، أسيراً في أيدي القوات الإيطالية. علم السفّاح اغراتسياني بذلك في روما فقطع اجازته وجاء إلى ليبيا ليتفق مع بادوليو على اجراء محاكمة سريعة وخاطفة للحكم عليه بالإعدام وهذا ما اشارت به البرقية الموجهة من بادوليو إلى غراتسياني في تاريخ 14/9/1931م وبها يؤكد أن محاكمة الشهيد عمر المختار لا بدّ أن تنتهي بإصدار حكم الإعدام عليه وأنه يجب أن ينفد علنياً داخل أحد معسكرات التجميع والاعتقال(33). "إذن فهم يحكمون بالموت على الناس لكل شيء.."(34). وطلب غراتسياني إحضار عمر المختار فأحضر إليه مكبلاً بالحديد رغم الجروح والكسور ويعترف غراتسياني: "... بأن هذا الوطني الذي يمثل أمامه هو رجل لا كالرجال..".
وسأله غراتسياني: لماذا تحارب دون هوادة الحكومة الفاشستية؟
فرد عمر المختار: دون وطني وديني.
ومن ردود عمر المختار على أسئلة غراتسياني أنه قال:
"... حربنا لكم فرض علينا لأنكم مغتصبون...".
وفي مساء اليوم ذاته الثلاثاء 15/9/1931م عقدت المحاكمة التي لم تستغرق سوى أقل من 75 دقيقة(35) وهو أمر لم يجر مثله في الاعراف الدولية ووجهت إليه تهمة الاعتداء على سلامة الدولة وعلى أمن البلاد تهمة قطع الطريق:
أجل عمر المختار القائد الوطني الشجاع العظيم
ها هو في نظر المستعمرين قاطع طريق مجرد اختلال في الموازين: المدافع عن وطنه ضد الغاصبين يصبح في قفص الاتهام معتدياً على سلامة الدولة الإيطالية وكأنه ذهب لمحاربتها في عقر دارها، ثم طلب النائب العام الإيطالي الحكم على عمر المختار بالإعدام وعندما سئل المحامي الإيطالي المنتدب للدفاع عنه وما الذي ينتظر منه كضابط تربى في مدرسة الاستعلاء الفاشيستي؟ وكيف يكون خصماً وحكماً عدواً ومحامياً؟
سئل المحامي ما إذا كان لديه ما يعلق به على كلام النائب العام بغرض الامعان في المهزلة التي نسجت خيوطها في أفكار الفاشيست الطليان لإيهام الرأي العام العالمي والعربي والاسلامي بأنه تم تكليف محام للدفاع عن عمر المختار في حين أن أعواد المشنقة قد نصبت بمدينة سلوق قبل ذلك بيوم أو اثنين ليشهد أبناء ليبيا إعدام عمر المختار إمعاناً في بث الرعب والخوف في قلوبهم وكان المحامي ممثلا بارعاً ولكنه حادت به انسانيته قليلاً عن أهداف الفاشيست فدافع بنوع من المنطقية والمعقولية حيث اشار إلى كبر سن عمر المختار الذي ناهز السبعين وطلب من المحكمة احترام شيخوخته وتبديل حكم الإعدام عليه بالسجن المؤبد كما اشار المحامي بأن عمر المختار رجل يدافع عن وطنه ودينه ومن حقّه أن قاوم لأن الطبيعة الانسانية منحته حق الدفاع عن أرضه ودينه، وهنا عرف الفاشيست بأن المحامي قد حاد عن مبادئهم التي تجيز القتل والدمار دون أدنى اعتبار للإنسانية، فارتفعت صيحات الغوغائيين الفاشيست مطالبة بطرد المحامي ورفعت الجلسة للمداولة، ثم أعلن القاضي الحكم على عمر المختار بالإعدام شنقاً حتى الموت وصعدت روح البطل إلى بارئها وأصبح منذ ذلك اليوم المشهود شيخاً للشهداء بعد أن قضى مدة اثنين وعشرين سنة شيخاً للمجاهدين وقد خلد ذكراه الشعراء والأدباء فقد قال أحمد شوقي:
يـا ويحهم نصبوا منــاراً من دم يوحي إلى جيل الغـد البغضاء
جـرح يصبح على المدى وضحية تتلمس الحريـــة الحمـراء
وخاطب شوقي عمر المختار بقوله:
خيرت فاخترت المبيت على الطوى لم تبـن جاها أو تلم ثــراء